أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
566
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1770 - لو عصر منه البان والمسك انعصر « 1 » والظاهر أن الضمير في « كانُوا » عائد على الأحبار والرهبان ، ويجوز أن يعود على المتقدمين . وقوله تعالى حكاية عن اليهود : « يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » فيه قولان : أحدهما : أنه خبر محض . وزعم بعضهم أنه على تقدير همزة استفهام تقديره : « أيد اللّه مغلولة » ؟ قالوا ذلك لمّا قتّر عليهم معيشتهم ، ولا يحتاجون إلى هذا التقدير . و « بِما قالُوا » الباء للسببية أي : لعنوا بسبب قولهم ، و « ما » مصدرية ، ويجوز أن تكون موصولة اسمية والعائد محذوف . وغلّ اليد وبسطها هنا استعارة للبخل والجود ، وإن كان ليس ثمّ يد ولا جارحة ، وكلام العرب ملآن من ذلك . قالت العرب : « فلان ينفق بكلتا يديه » قال : 1771 - يداك يدا مجد ، فكف مفيدة ، * وكفّ إذا ما ضنّ بالمال تنفق « 2 » وقال آخر هو أبو تمام : 1772 - تعوّد بسط الكفّ حتّى لو أنّه * دعاها لقبض لم تطعه أنامله « 3 » وقد استعارت العرب ذلك حيث لا يد البتة ، ومنه قول لبيد : 1773 - . . . * إذ أصبحت بيد الشمال زمامها « 4 » وقال آخر : 1774 - جاد الحمى بسط اليدين بوابل * شكرت نداه تلاعه ووهاده « 5 » وقالوا : « بسط اليأس كفّيه في صدري » ، واليأس معنى لا عين ، وقد جعلوا له كفّين مجازا . قال الزمخشري : « فإن قلت : لم ثنّيت اليد في « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ » وهي في « يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » مفردة ؟ قلت : ليكون ردّ قولهم وإنكاره أبلغ وأدلّ على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه ، وذلك أنّ غاية ما يبذله السخيّ من ماله بنفسه أن يعطيه بيديه جميعا فبنى المجاز على ذلك » . وقوله : « غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا » يحتمل الخبر المحض ، ويحتمل أن يراد به الدعاء عليهم . وفي مصحف عبد اللّه : « بسطان » يقال : « يد بسط » على زنة « ناقة سرح » و « أحد » و « مشية سجح » ، أي : مبسوطة بالمعروف ، وقرأ عبد اللّه : « بسيطتان » ، يقال : يد بسيطة أي : مطلقة بالمعروف . قوله : يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ في هذه الجملة خمسة أوجه :
--> ( 1 ) من الرجز وقبله هيّجها نضح من الطل سجر * وهزت الريح الندى حين قطر انظر الإنصاف ( 79 - 80 ) ، المخصص ( 12 / 220 ) ، اللسان ( عصر ) . ( 2 ) البيت للأعشى انظر ديوانه ( 225 ) ، البحر ( 3 / 524 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 225 ) ، البحر ( 2 / 248 ) . ( 4 ) عجز بيت وصدره : وغداه ريح قد وزعت وقرة * . . . انظر ديوانه ( 176 ) ، شرح القصائد العشر ( 297 ) ، العمدة ( 1 / 269 ) ، روح المعاني ( 15 / 56 ) . ( 5 ) انظر البيت في البحر ( 5 / 524 ) .